محمد متولي الشعراوي
460
تفسير الشعراوي
وقوله تعالى : « بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ » . . ومن هنا نعرف أن الرسالات واختيار الرسل . . فضل من اللّه يختص به من يشاء . . واللّه سبحانه حين يطلق أيدينا ويملكنا الأسباب . . فإننا لا نخرج عن مشيئته بل نخضع لها . . ونعرف أنه لا ذاتية في هذا الكون . . وذلك حتى لا يغتر الإنسان بنفسه . . فإن بطل العالم في لعبة معينة هو قمة الكمالات البشرية في هذه اللعبة . . ولكن هذه الكمالات ليست ذاتية فيه لأن غيره يمكن أن يتغلب عليه . . ولأنه قد يصيبه أي عائق يجعله لا يصلح للبطولة . . وعلى كل حال فإن بطولته لا تدوم . . لأنها ليست ذاتية فيه ومن وهبها له وهو اللّه سيهبها لغيره متى شاء . . ولذلك لا بد أن يعلم الإنسان أن الكمال البشرى متغير لا يدوم لأحد . . وأن كل من يبلغ القمة ينحدر بعد ذلك لأننا في عالم أغيار . . ولا بد لكل من علا أن ينزل . . فالكمال للّه وحده . . واللّه سبحانه يحرس كماله بذاته . إذن اليهود حسدوا رسول اللّه . . حسدوا نزول القرآن على العرب . . والحق سبحانه يقول : « فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ » . . واللّه جل جلاله يخبرنا أنه غضب عليهم مرتين . الغضب الأول أنهم لم ينفذوا ما جاء في التوراة فغضب اللّه عليهم . . والغضب الثاني حين جاءهم رسول مذكور عندهم في التوراة ومطلوب منهم أن يؤمنوا به فكفروا به . . وكان المفروض أن يؤمنوا حتى يرضى اللّه عنهم . . ولذلك غضب اللّه عليهم مرة أخرى عندما كفروا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . . وقوله تعالى : « وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ » . . العذاب في القرآن الكريم وصف بأنه أليم . . ووصف بأنه عظيم ووصف بأنه مهين . . أليم أي شديد الألم يصيب من يعذب بألم شديد . . ولكن لنفرض أن الذي يعذب يتجلد . . ويحاول ألا يظهر الألم حتى لا يشمت فيه الناس . . يأتيه اللّه بعذاب عظيم لا يقدر على احتماله . . ذلك أن عظمة العذاب تجعله لا يستطيع أن يحتمل . . فإذا كان الإنسان من الذين تزعموا الكفر في الدنيا . . ووقفوا أمام دين اللّه يحاربونه وتزعموا قومهم . . يأتيهم اللّه تبارك وتعالى بعذاب مهين . . ويكون هذا أكثر إيلاما للنفس من الألم . . تماما كما تأتى لرجل هو أقوى من في المنطقة يخافه الناس جميعا ثم تضربه بيدك وتسقطه على الأرض . . تكون في هذه الحالة قد أهنته أمام